دور الاستشاري .. الي باصص مش زي الي شايف


 

 دور الاستشاري .. الي باصص مش زي الي شايف

خلّيني أسألك سؤال بسيط: إنت عرفت إزاي إنك “فهمت”؟ مش إنك سمعت المعلومة أو حفظتها، لكن اللحظة اللي قلت فيها لنفسك: “آه… أنا فهمت”. إيه اللي حصل ساعتها؟ هل مجرد إن حد قالك حاجة فبقيت عارفها؟ ولا في حاجة تانية اتغيّرت جواك؟

لو ركزت في اللحظة دي، هتكتشف إن الفهم مش معلومة بس. المعلومة ممكن تبقى موجودة، لكن الفهم بيظهر لما تبقى حاسس بيها. لما الصورة تكتمل جواك، وتحس إنك شايف الموضوع من جوه مش من برّه. هنا بس تقدر تقول إنك فهمت فعلًا. عشان كده إحنا بنعرف بالمعلومة، لكن بنفهم بالإحساس.

وده بالظبط الفرق بين اللي شايف واللي باصص. اللي شايف بيرصد المشكلة، لكن اللي باصص بيبقى حاسس بيها، وده اللي بيخليه يقدر يحدد طبيعتها الحقيقية. ومن هنا بييجي دور الاستشاري التقني، مش كحد بيقدم حلول جاهزة، لكن كحد بيوجّه النظر لحد ما الشركة نفسها توصل للإحساس الصح بالمشكلة.

ولما الإحساس ده يتكوّن، الشركة بتبدأ تعبّر بشكل تلقائي جدًا. مش بلغة تقارير ولا مصطلحات كبيرة، لكن بجمل بسيطة طالعة من الواقع. تقول “يا لهوي” لما تحس إن المشكلة فنية وإن اللي بيتعمل بعيد عن احتياج العميل. تقول “يا خراشي” لما تبقى حاسة إن اللخبطة في الإدارة والتنظيم. تقول “يا ده العادي” لما تكتشف إن المنتج نفسه، أو طريقة تسويقه، مش ملامسة احتياج العميل بشكل حقيقي، حتى لو كل حاجة شكلها مظبوط.

النقطة المهمة هنا مش بس في الجمل دي، لكن في اللغة نفسها. ليه الخطاب ده كله جاي باللهجة المصرية وبمصطلحات دارجة؟ لأن المعلومة في أصلها ممكن تبقى نظرية جدًا، لكن قيمتها الحقيقية بتظهر لما تتقدّم بشكل يلامس اللي قدامك. اللغة هنا مش شكل، دي أداة توصيل. لما تستخدم تعبيرات قريبة من الناس، إنت كده بتقلل المسافة بين المعلومة وبين فهمها.

وده في حد ذاته تطبيق عملي للفكرة كلها. إنك ما تبنيش الكلام أو الحلول بشكل مجرد، وبعدين تحاول تفرضها على الواقع. بالعكس، إنت بتبدأ من الواقع، من اللغة اللي الناس بتفهمها، من المصطلحات اللي عايشة معاهم، وبعد كده تبني عليها كل حاجة. يعني إنت بتبني المتطلبات على الاحتياج، مش بتحاول تغيّر الاحتياج عشان يناسب اللي إنت عايز تقوله.

وعشان كده، مش مطلوب من العميل إنه يتعلم لغة جديدة عشان يفهمك. ولا مطلوب إنك تستخدم مصطلحات معقدة عشان تبان أدق. بالعكس، إنت بتوصل له المعلومة بأبسط شكل ممكن، بالشكل اللي هو متعود عليه. لأن تكلفة إنك تغيّر طريقة فهمه عالية جدًا، ومش دايمًا ليها لازمة.

حتى في أبسط الأمثلة، زي فرق كلمة “ملعقة” و“معلقة”، ممكن نقول إن الفصحى هي الأدق، لكن الاستخدام الدارج هو الأقرب. مش لأنه صح أكاديميًا، لكن لأنه هو الواقع. والواقع هو اللي بيتبني عليه الفهم، وهو اللي بيتبني عليه الشغل كله بعد كده.

في النهاية، الهدف مش إنك تقول المعلومة بشكل مثالي، لكن إنك توصلها بشكل فعّال. لأن اللحظة اللي يبقى فيها اللي قدامك “حاسس” بالمعلومة، هي دي اللحظة اللي يبدأ فيها الفهم الحقيقي، ومنها يبدأ أي تغيير أو تطوير.

تعليقات